The Arab World

Latest topics

» Course Book الكتاب الخاص بالكورس
Tue Jan 08, 2013 12:51 am by Meeno1

» كلمات فرنسية من الحياة اليومية مترجمة إلى العربية
Wed Jul 27, 2011 9:55 pm by 3lia2 3li

» Lesson Two الدرس الثانى
Tue Jul 26, 2011 10:01 am by 3lia2 3li

» دورة ICDL مبسطه
Thu Feb 03, 2011 3:45 am by not happy

» فيديوهات دكتور إبراهيم الفقى كاملة
Sun Oct 17, 2010 3:06 am by Mohamed Selim

» Lesson Seven الدرس السابع
Tue Oct 05, 2010 1:33 am by Dr.Ruba

» All Medical Rep And Supervisor Pharmaceutical Companie PMR
Thu Aug 12, 2010 5:39 am by drphtarek

» Lesson One الدرس الأول
Fri Jul 23, 2010 12:15 am by love bird

» ترحيب بالأعضاء الجدد فى منتدى العالم العربى
Thu Jul 22, 2010 11:49 pm by love bird

» ما هو الحيوان الذى تخافه الجن
Wed Jul 14, 2010 2:32 am by saouaa

» Greetings and Courtesies : التحية و المجاملات
Fri Jun 11, 2010 5:50 am by Mohamed Selim

» شكر خاص لكل اللى ساهموا فى نجاح هذا الكورس التعليمى
Thu Jun 10, 2010 2:14 am by emy

» ألغاز العالم العربى
Thu Jun 10, 2010 2:07 am by Mohamed Selim

» بإمكان مصر انت تصبح اغنى دول العالم واغنى من دول الخليج . بحث للدكتور نادر نور الدين
Mon Jun 07, 2010 3:24 am by Mohamed Selim

» زوج يرسل إيميل بالغلط
Wed Jun 02, 2010 7:33 pm by Mohamed Selim

» عناوين شركات البترول فى مصر
Mon May 17, 2010 1:42 am by emy

» Lesson Four الدرس الرابع
Sat May 15, 2010 11:15 pm by emy

» دكتور إبراهيم الفقى - سلسة قوة الثقة بالنفس
Sat May 15, 2010 2:35 pm by ساره

» مقياس الحقيقة
Thu May 13, 2010 7:32 pm by planner

» نكت جااااااااااااامدة
Thu May 13, 2010 1:16 pm by Mohamed Selim

December 2017

MonTueWedThuFriSatSun
    123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

Calendar Calendar

Who is online?

In total there is 1 user online :: 0 Registered, 0 Hidden and 1 Guest

None


[ View the whole list ]


Most users ever online was 20 on Wed May 05, 2010 3:47 am

The Arab World

free counters

    مدخل لمعرفة الإسلام - مقوماته.. خصائصه.. أهدافه.. مصادره

    Share
    avatar
    Mohamed Selim
    Admin

    Posts : 106
    Join date : 2010-04-25
    Age : 30
    Location : Egypt

    مدخل لمعرفة الإسلام - مقوماته.. خصائصه.. أهدافه.. مصادره

    Post by Mohamed Selim on Mon May 10, 2010 9:01 am

    مقدمة
    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله وكفى، وسلام على رسله الذين اصطفى، وعلى خاتمهم المجتبى، محمد وآله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا الكتاب نافذة على الإسلام، أو مدخل للتعريف به، لمن لا يعرف أو يعرفه معرفة قاصرة أو مشوهة، وتذكير وتأكيد لمن يعرفه، والذكرى تنفع المؤمنين: تعريف بمقوماته الأساسية، وبخصائصه العامة، وبأهدافه الرئيسية، وبمصادره المعصومة، بالإضافة إلى بيان الحاجة إلى الدين عامة، وإلى الإسلام خاصة.

    وبهذا تحددت الأبواب التي يتكون منها هذا الكتاب:

    الباب الأول: في الحاجة إلى الدين: حاجة العقل والنفس والفطرة في الفرد، وحاجة المجتمع إلى بواعث وضوابط.

    والباب الثاني: في مقومات الإسلام، من العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والتشريع.

    والباب الثالث: في خصائص الإسلام، من الربانية، والإنسانية، والشمول، والوسطية، والجمع بين الثبات والمرونة.

    والباب الرابع: في أهداف الإسلام، من بناء الإنسان الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة، والدولة الصالحة، والدعوة لخير الإنسانية عامة.

    والباب الخامس: في مصادر الإسلام، وهى القرآن الكريم، والسنة النبوية مبينته وشارحته.

    وقد استنفدت في بيان هذه الأمور الهامة في الإسلام مما كتبته من قبل في كتبي الأخرى، مثل: الإيمان والحياة، والعبادة في الإسلام، والخصائص العامة للإسلام، والمرجعية العليا للقرآن والسنة، وبينات الحل الإسلامي، وغيرها.

    فمن أراد أن يتوسع في معرفة الفصول التي كتبتها هنا فليرجع إلى مظانها في كتبنا.

    وأرجو أن يكون ما كتبت هنا كافيا للمسلم المعاصر للوقوف على الحقائق الكبرى المتعلقة بالإسلام، وأن يمنحه زادا من الثقافة الإسلامية اللازمة للإنسان المسلم في عصرنا، ليتعرف على جوهر دينه، مبرءا من التجزئة والتجميد والتمييع والتشويه، سالما من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

    كما يمكن أن يعطر غير المسلم ـ الذي يرغب في معرفة شيء عن الإسلام ـ صورة صادقة عن أساسيات هذا الدين، الذي أنزل الله به آخر كتبه، وبعث به خاتم رسله، رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين.

    وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

    الدوحة في: رجب سنة 1416هـ، ديسمبر سنة 995ام.

    الفقير إلى مولاه

    يوسف القرضاوي



    هذ المحتوى من كتاب مدخل لمعرفة الإسلام للعالم / يوسف القرضاوى
    و ما توفيقى إلا بالله


    Last edited by Mohamed Selim on Mon May 10, 2010 9:51 am; edited 1 time in total
    avatar
    Mohamed Selim
    Admin

    Posts : 106
    Join date : 2010-04-25
    Age : 30
    Location : Egypt

    الباب الأول - الحاجة إلى الدين

    Post by Mohamed Selim on Mon May 10, 2010 9:26 am

    الحاجة إلى الدين

    معنى الدين


    قبل أن نتحدث عن الحاجة إلى الدين عامة، وإلى الإسلام خاصة، ينبغي لنا أن نبين المعنى المراد بكلمة (الدين).

    ولا نريد أن نطيل الحديث في ذلك عند اللغويين وعند مؤرخي الأديان، وفلاسفة الملل والنحل، وندخل في الموضوع مباشرة.

    وقد بحث ذلك شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه القيم (الدين) ثم خرج بالتعريف التالي للدين، أي دين، صحيح أو فاسد، كتابي أو وثني.

    قال رحمه الله :

    الدين هو:"الاعتقاد بوجود ذات ـ أو ذوات ـ غيبية علوية، لها شعور واختيار، ولها تصرف وتدبير للشؤون التي تعنى الإنسان، اعتقاد من شأنه أن على مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة، وفي خضوع وتمجيد" وبعبارة موجزة، هو "الإيمان بذات إلهية، جديرة بالطاعة والعبادة". هذا إذا نظرنا إلى الدين من حيث هو حالة نفسية بمعنى التدين، أما إذا إليه من هو حقيقة خارجة فنقول: "هو جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك القوة الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها".

    فهذا التعريف يشمل الدين من هو، ولو كان قائما على الشرك والوثنية. ذلك أن القرآن سماه دينا، كما في قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين)، وقوله : (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه).

    وقد عرف علماء الإسلام الدين بأنه: "وضع إلهي سائق لذوى العقول السليمة باختيارهم إلى ما فيه الصلاح في الحال والفلاح في المآل".

    الأديان السماوية ووحدتها :

    ومن المعروف للدارسين أن الأديان نوعان:

    1- أديان سماوية أو كتابية، على معنى أن لها كتابا نزل من السماء، يحمل هداية الله للبشر، مثل(اليهودية) التي أنزل الله فيها كتابه(التوراة) على رسوله(موسى) عليه السلام. ومثل(النصرانية) التي أنزل الله فيها كتابه(الإنجيل) على رسوله المسيح(عيسى) عليه السلام. ومثل(الإسلام) الذي أنزل الله فيه(القرآن) على خاتم رسله وأنبيائه(محمد) عليه الصلاة والسلام.

    وفرق ما بين الإسلام والأديان الكتابية الأخرى: أنه الله تعالى حفظ أصول الإسلام ومصادره بوصفه الرسالة الأخيرة للبشر، فلم يصبها تحريف ولا تبديل، في حين لم يحفظ مصادر الأديان الأخرى وكتبها المقدسة، فحرفت وبدلت، أو ضاعت.

    2- وأديان وثنية أو وضعية، تنسب إلى الأرض لا السماء، وإلى البشر لا إلى الله مثل(البوذية) في الصين واليابان، و(الهندوسية) في الهند، و(المجوسية) في فارس قديما، وغيرها من الأديان في آسيا وأفريقيا. فهي إما من وضع البشر أساسا مثل البوذية، وإما أن يكون لها كتاب في الأصل ثم ضاع ولم يبق له أثر، كما في المجوسية.

    والأصل أن الأديان السماوية واحدة في أصولها العقائدية، وإن اختلفت شرائعها باختلاف أزمنتها، وهذا ما بينه القرآن وأكده: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه). وقال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

    بل قرر القرآن أن دين الله واحد، أنزل به جميع كتبه، وبعث به جميع رسله، وهو (الإسلام) كما قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)، فكل رسل الله كانوا مسلمين، ودعوا إلى الإسلام، (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما)، (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون)، وموسى قال لقومه: (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين)، والحواريون أصحاب عيسى: (قالوا: آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون).

    ومحمد خاتم الرسل بعث بالإسلام ـ دين الرسل جميعا ـ مصدقا لما بين يديه ـ أي ما تقدمه ـ من الأديان، ومؤكدا لما تضمنته كتبها من حقائق الدين، وقواعد السلوك، كما جاء القرآن مهيمنا على تلك الكتب، لما أصابها من تحريف لفظي أو معنوي لكلمات الله فيها، متمما لمكارم الأخلاق التي جاء بها رسل الله من قبل، حتى تبلغ غايتها بعد أن بلغت البشرية أشدها، واستكملت رشدها.

    يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا عليه الصلاة والسلام: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه، فاحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق).

    وسنبين في هذا الباب حاجة الإنسان ـ فردا ومجتمعا ـ إلى الدين بصفة عامة، وإلى الأديان الكتابية بصفة خاصة، وإلى الإسلام خاتمتها على وجه الأخص.


    حاجة الإنسان إلى الدين


    إن حاجة الإنسان إلى الدين عامة، وإلى الإسلام خاصة، ليست حاجة ثانوية ولا هامشية، إنها حاجة أساسية أصيلة، تتصل بجوهر الحياة، وسرالوجود، وأعمق أعماق الإنسان.

    وفى أقصى ما يمكن من الإيجاز ـ غير المخل ـ نبين هنا وجه الحاجة إلى الدين في حياة الإنسان:

    * حاجة العقل إلى معرفة الحقائق الكبرى في الوجود:


    1- حاجة الإنسان إلى عقيدة دينية تنبثق ـ أول ما تنبثق ـ من حاجته إلى معرفة نفسه ومعرفة الوجود الكبير من حوله، أي إلى معرفة الجواب عن الأسئلة التي شغلت بها فلسفات البشر ولم تقل فيها ما يشفي.

    فالإنسان منذ نشأته تلح عليه أسئلة يحتاج إلى الجواب عنها: من أين؟ وإلى أين؟ ولم؟! ومهما تشغله مطالب العيش عن هذا التساؤل، فإنه لا بدواقف يوما ليسأل نفسه هذه الأسئلة الخالدة:

    (أ) يقول الإنسان في نفسه: من أين جئت وجاء هذا الكون العريض من حولي؟ هل وجدت وحدي أم هناك خالق أوجدني؟ ومن هو؟ وما صلتي به؟ وكذلك هذا العالم الكبير بأرضه وسمائه، وحيوانه ونباته وجماده وأفلاكه، هل وجد وحده أم أوجده خالق مدبر؟.

    (ب) ثم ماذا بعد هذه الحياة… وبعد الموت؟ إلى أين المسير بعد هذه الرحلة القصيرة على ظهر هذا الكوكب الأرضي؟ أتكون قصة الحياة مجرد" أرحام تدفع، وأرض تبلع" ولا شيء بعد ذلك ؟ وكيف تستوي نهاية الأخيار الطاهرين الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل الحق والخير، ونهاية الأشرار الملوثين الذين ضحوا بغيرهم في سبيل الهوى والشهوة ؟ أتختتم الحياة بالموت؟ . . أم هناك وراء الموت حياة يجزى فيها الذين أساءوا بما عملوا والذين أحسنوا بالحسنى؟

    (ج) ثم لماذا وجد الإنسان؟ لماذا أعطى العقل والإرادة وتميز عن سائر الحيوان؟ لماذا سخر له ما في السموات وما في الأرض؟ أهناك غاية من وجوده؟ أله مهمة في حياته؟ أم وجد لمجرد أن يأكل كما تأكل الأنعام ـ ثم ينفق كما تنفق الدواب؟ وإن كانت هناك غاية من وجوده فما هي؟ وكيف يعرفها؟ أسئلة تلح على الإنسان في كل عصر وتتطلب الجواب الذي يشفي الغليل ويطمئن به القلب ، ولا سبيل إلى الجواب الشافي إلا باللجوء إلى الدين إلى العقيدة الدينية الصافية. الدين هو الذي يعرف الإنسان ـ أول ما يعرفه ـ أنه لم يخرج من العدم إلى الوجود صدفة، ولا قام في هذا الكون وحده، وإنما هو مخلوق لخالق عظيم، هو ربه الذي خلقه فسواه فعدله ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وأمده بنعمه الغامرة، منذ كان جنينا في بطن أمه: (ألم نخلقكم من ماء مهين، فجعلناه في قرار مكين، إلى قدر معلوم، فقدرنا فنعم القادرون).

    وهذا الكون الكبير من حوله ليس غريبا عنه ولا عدوا له، إنه مخلوق مثله لله لا يسير جزافا ولا يمشي اعتباطا، كل شيء فيه بقدر، وكل أمر فيه بحساب وميزان، إنه نعمة من الله للإنسان ورحمة، ينعم بخيراته، ويستفيد من بركاته، ويتأمل في آياته، فيستدل به عن ربه: (الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى)، (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب).

    بهذه العقيدة يرتبط الإنسان بالوجود الكبير، وبرب الوجود كله، ولا يعيش منطويا على نفسه، معزولا عما حوله، أو خائف منه.

    والدين هو الذي يعرف الإنسان: إلى أين يسير بعد الحياة والموت؟ إنه يعرفه أن الموت ليس فناء محضا، ولا عدما صرفا، إنما هو انتقال إلى مرحلة أخرى . . إلى حياة برزخية بعدها نشأة أخرى توفى فيها كل نفس ما كسبت، وتخلد فيما عملت، فلا يضيع هناك عمل عامل من ذكر أو أنثى، ولا يفلت من العدل الإلهي جبار أو مستكبر: ( يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) بهذا يعيش الإنسان بوجدانه في الخلود، ويعلم أنه خلق للأبد، وإنما انتقل بالموت من دار إلى دار.

    والدين هو الذي يعرف الإنسان: لماذا خلق؟ ولماذا كرم وفضل؟ يعرفه بغاية وجوده، ومهمته فيه، إنه لم يخلق عبثا، ولم يترك سدى، إنه خلق ليكون خليفة الله في الأرض، يعمرها كما أمر الله، ويسخرها لما يحب الله، يكشف مكنوناتها، ويأكل من طيباتها، غير طاغ على حق غيره، ولا ناس حق ربه. وأول حقوق ربه عليه أن يعبده وحده، ولا يشرك به شيئا، وأن يعبده بما شرع، على ألسنة رسله، الذين بعثهم إليه هداة معلمين، مبشرين ومنذرين، فإذا أدى مهمته في هذه الدار المحفوفة بالتكليف والابتلاء، وجد جزاءه هناك في الدار الآخرة: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا).

    بهذا يدرك الإنسان سر وجوده، ويستبين مهمته في الحياة، بينها له بارئ الكون، وواهب الحياة، وخالق الإنسان.

    إن الذي يعيش بغير دين ـ بغير عقيدة في الله والآخرة ـ إنسان شقي محروم حقا. إنه في نظر نفسه مخلوق حيواني، ولا يفترق عن الحيوانات الكبيرة التي تدب على الأرض من حوله . . . والتي تعيش وتتمتع ثم تموت وتنفق، بدون أن تعرف لها هدفا، أو تدرك لحياتها سرا، إنه مخلوق صغير تافه لا وزن له ولا قيمة، وجد ولا يعرف: كيف وجد، ولا من أوجده؟ ويعيش ولا يدرى: لماذا يعيش؟ ويموت ولا يعلم لماذا يموت؟ وماذا بعد الموت؟ إنه في شك ـ بل في عمى ـ من أمره كله: محياه ومماته، مبدئه ومنتهاه، كالذين قال الله فيهم: (بل أدارك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمون).

    وما أقسى حياة إنسان يعيش في جحيم الشك والحيرة أو في ظلمات العمى والجهل، في أخص ما يخصه: في حقيقة نفسه، وسر وجوده، وغاية حياته. إنه الشقي التعيس حقا، وإن غرق في الذهب والحرير وأسباب الرفاهية والنعيم، وحمل أرقى الشهادات، وتسلم أعلى الدرجات! وفرق كبير بين إنسان كعمر الخيام يقول في حال حيرته وشكه:

    لبست ثوب العمر لم أستشر وحرت فيه بين شتى الفكر!

    سوف أنضو الثوب عني، ولم أدر: لماذا جئت، أين المفر؟

    وبين آخر يقول في يقين وطمأنينة:

    وما الموت إلا رحلة، غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي!

    وحرت فيه بين شتى الفكر :

    ويقول عمر بن عبد العزيز: " إنا خلقنا للأبد، وإنما ننقل من دار إلى دار".

    إن حاجة الإنسان إلى الدين تنبثق ـ قبل كل شيء ـ من حاجته إلى معرفة حقيقة نفسه وإلى معرفة حقائق الوجود الكبرى، وأول هذه الحقائق وأعظمها:

    وجود الله تعالى ووحدانيته وكماله سبحانه، فبمعرفته والإيمان به ـ جل شأنه ـ تنحل عقد الوجود، ويتضح للإنسان الغاية والوجهة، ويتحدد المنهج والطريق.

    * حاجة الفطرة البشرية:


    2- ما ذكرناه من حاجة الإنسان إلى الدين يتصل بحاجاته العقلية، ولكن هناك حاجة الوجدان والشعور أيضا، فالإنسان ليس عقلا فقط، كالأدمغةالإلكترونية، إنما هو عقل ووجدان وروح، هكذا تكونت فطرته، ونطقت جبلته. فالإنسان بفطرته لا يقنعه علم ولا ثقافة، ولا يشبع نهمته فن ولا أدب، ولا يملأ فراغ نفسه زينة أو متعة، ويظل قلق النفس، جوعان الروح، ظمآن الفطرة، وشاعرا بالفراغ والنقص، حتى يجد العقيدة في الله،فيطمئن بعد قلق، ويسكن بعد اضطراب، ويأمن بعد خوف، ويحس بأنه وجد نفسه.

    يقول الفيلسوف "أجوست سياته" في كتابه "فلسفة الأديان":

    "لماذا أنا متدين؟ إني لم أحرك شفتي بهذا السؤال مرة، إلا وأراني مسوقا للإجابة عليه بهذا الجواب، وهو: أنا متدين، لأني لا أستطيع خلاف ذلك، لأن التدين لازم معنوي من لوازم ذاتي. يقولون لي: ذلك أثر من آثار الوراثة أو التربية أو المزاج، فأقول لهم: قد اعترضت على نفسي كثيرا بهذا الاعتراض نفسه، ولكني وجدته يقهقر المسألة ولا يحلها".

    ولا عجب أن وجدنا هذه العقيدة عند كل الأمم، بدائية ومتحضرة، وفي كل القارات شرقية وغربية، وفى كل العصور قديمة وحديثة، وإن كان الأكثرون قد انحرفوا بها عن الصراط المستقيم.

    يقول المؤرخ الإغريقي "بلوتارك": قد وجدت في التاريخ مدن بلا حصون، ومدن بلا قصور، ومدن بلا مدارس، ولكن لم توجد أبدا مدن بلا معابد…

    ولهذا جعل القرآن الدين ـ بمعنى العقيدة ـ هو الفطرة البشرية نفسها: (فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرت الله التي فطر الناس عليها).

    * حاجة الإنسان إلى الصحة النفسية والقوة الروحية:


    3- وثمة حاجة أخرى إلى الدين: حاجة تقتضيها حياة الإنسان وآماله فيها، وآلامه بها… حاجة الإنسان إلى ركن شديد يأوي إليه، وإلى سند متين يعتمد عليه، إذا ألمت به الشدائد، وحلت بساحته الكوارث، ففقد ما يحب، أو واجه ما يكره، أو خاب ما يرجو، أو وقع به ما يخاف، هنا تأتي العقيدة الدينية، فتمنحه القوة عند الضعف، والأمل في ساعة اليأس، والرجاء في لحظة الخوف، والصبر في البأساء والضراء، وحين البأس.

    إن العقيدة في الله وفي عدله ورحمته، وفي العوض والجزاء عنده في دار الخلود، تهب الإنسان الصحة النفسية والقوة الروحية، فتشيع في كيانه البهجة، ويغمر روحه التفاؤل، وتتسع في عينه دائرة الوجود، وينظر إلى الحياة بمنظار مشرق، ويهون عليه ما يلقى وما يكابد في حياته القصيرة الفانية، ويجد من العزاء والرجاء والسكينة ما لا يقوم مقامه ولا يغنى عنه علم ولا فلسفة ولا مال ولا ولد ولا ملك المشرق والمغرب.

    ورضي الله عن عمر إذ قال: "ما أصبت بمصيبة إلا كان لله علي فيها أربع نعم: أنها لم تكن في ديني… وأنها لم تكن أكبر منها… وأنني لم أحرم الرضا عند نزولها… وأنني أرجو ثواب الله عليها".

    أما الذي يعيش في دنياه بغير دين، بغير إيمان، يرجع إليه في أموره كلها وبخاصة إذا ادلهمت الخطوب، وتتابعت الكروب، والتبست على الناس المسالك والدروب، يستفتيه فيفتيه، ويسأله فيجيبه، ويستعينه فيعينه، ويمنحه المدد الذي لا يغلب، والعون الذي لا ينقطع الذي يعيش بغير هذا الإيمان يعيش مضطرب النفس، متحير الفكر، مبلبل الاتجاه، ممزق الكيان، شبهه بعض فلاسفة الأخلاق بحال "راقاياك" التعس، الذي يحكون عنه أنه اغتال الملك، فكان جزاؤه أن يربط من يديه ورجليه إلى أربعة من الجياد، ثم ألهب ظهر كل منها، لتتجه مسرعة، كل واحد منها إلى جهة من الجهات الأربع، حتى مزق جسمه شر ممزق!

    هذا التمزق الجسمي البشع مثل للتمزق النفسي الذي يعانيه من يحيا بغير دين، ولعل الثاني أقسى من الأول وأنكى في نظر العارفين المتعمقين، لأنه تمزق لا ينتهي أثره في لحظات، بل هو عذاب يطول مداه، ويلازم من نكب به طول الحياة.

    ولهذا نرى الذين يعيشون بغير عقيدة راسخة يتعرضون أكثر من غيرهم للقلق النفسي، والتوتر العصبي، والاضطراب الذهني، وهم ينهارون بسرعة إذا صدمتهم نكبات الحياة، فإما انتحروا انتحارا سريعا، وإما عاشوا مرضى النفوس، أمواتا كالأحياء! على نحو ما قال الشاعر العربي قديما:

    ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء!

    إنما الميت من يعيش كئيبا كاسفا باله قليل الرجاء!

    وهذا ما يقرره علماء النفس وأطباء العلاج النفسي في العصر الحديث وهو ما سجله المفكرون والنقاد في العالم كله.

    يقول المؤرخ الفيلسوف "آرنولد توينبى" :

    "الدين إحدى الملكات الضرورية الطبيعية البشرية، وحسبنا القول بأن افتقار المرء للدين يدفعه إلى حالة من اليأس الروحي، تضطره إلى التماس العزاء الديني على موائد لا تملك منه شيئا".

    ويقول الدكتور "كارل بانج" في كتابه "الإنسان العصري يبحث عن نفسه" : "إن كل المرضى الذين استشاروني خلال الثلاثين سنة الماضية، من كل أنحاء العالم، كان سبب مرضهم هو نقص إيمانهم، وتزعزع عقائدهم ولم ينالوا الشفاء إلا بعد أن استعادوا إيمانهم".

    ويقول "وليم جيمس" فيلسوف المنفعة والذرائع: "إن أعظم علاج للقلق ـ ولا شك ـ هو الإيمان".

    ويقول الدكتور "بريال": "إن المرء المتدين حقا لا يعاني قط مرضا نفسيا".

    ويقول "ديل كارنيجي" في كتابه "دع القلق وابدأ الحياة": "إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والاستمساك بالدين، كفيلان بأن يقهرا القلق، والتوتر العصبي، وأن يشفيا من هذه الأمراض".

    وقد أفاض الدكتور "هنري لنك" في كتابه "العودة إلى الإيمان" في بيان ذلك والتدليل عليه بما لمسه وجربه من وقائع وفيرة، خلال عمله في العلاج النفسي.


    حاجة المجتمع إلى بواعث وضوابط أخلاقية


    4- وهناك حاجة أخرى إلى الدين: حاجة اجتماعية، إنها حاجة إلى بواعث وضوابط: بواعث تدفع أفراده إلى عمل الخير، وأداء الواجب وإن لم يوجد من البشر من يراقبهم، أو يكافئهم . . وضوابط تحكم علاقاتهم، وتلزم كل واحد منهم أن يقف عند حده، ولا يعتدي على حق غيره أو يفرط في خير مجتمعه، من أجل شهوات نفسه، أو منفعته المادية العاجلة.

    ولا يقال: إن القوانين واللوائح كافية لإيجاد هذه الضوابط وتلك البواعث، فإن القوانين لا تخلق باعثا، ولا تكفي ضابطا، فإن الإفلات منها ممكن، والاحتيال عليها ميسور، ولهذا كان لا بد من بواعث وضوابط أخلاقية، تعمل من داخل النفس الإنسانية لا من خارجها. لا بد من هذا الباعث الداخلي، ومن هذا: الوازع الذاتي، لا بد من الضمير، أو "الوجدان" أو "القلب" ـ سمه ما شئت ـ فهو القوة التي إذا صلحت صلح عمل الإنسان كله، وإذا فسدت فسد كله.

    ولقد عرف الناس بالمشاهدة والتجربة واستقراء التاريخ، أن العقيدة الدينية لا يغنى غناءها شيء في تربية الضمير وتزكية الأخلاق، وتكوين البواعث التي تحفز على الخير، والضوابط التي تردع عن الشر، حتى قال بعض قضاة العصر في بريطانيا ـ وقد هاله ما رأى من جرائم موبقة، رغم تقدم العلم، واتساع الثقافة، ودقة القوانين: "بدون أخلاق لا يوجد قانون، وبدون إيمان لا توجد أخلاق".

    ولا غرو أن اعترف بعض الملاحدة أنفسهم بأن الحياة لا تستقيم بدون دين، بدون عقيدة في الله وفي الجزاء في الآخرة، حتى قال "فولتير": "لو لم يكن الله موجودا لوجب علينا أن نخلقه"! أي نخترع للناس إلها يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويلتمسون رضاءه فيعملون الصالحات، ويتجنبون السيئات، ويقول مرة أخرى ساخرا: " لم تشككون في وجود الله، ولولاه لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي"!!

    وقال "بلوتارخ": "إن مدينة بلا أرض تقوم عليها، أسهل من قيام دولة بلا إله"!!

    * حاجة المجتمع إلى التعاون والتماسك:


    5- ثم إن للدين دورا كبير الأهمية في توثيق الصلة بين الناس بعضهم وبعض، باعتبارهم جميعا عبيدا لرب واحد خلقهم، وأبناء لأب واحد نسلهم، فضلا عما ينشئه الدين بينهم من أخوة العقيدة، وآصرة الإيمان.

    (إنما المؤمنون إخوة) وما تحدثه هذه الأخوة الدينية من آثار في الأنفس والحياة، حتى نجد أحدهم يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل يؤثر أخاه على نفسه، ولو كان به خصاصة.

    يقول شيخنا الدكتور محمد عبد الله دراز، في كتابه القيم (الدين):

    لا حاجة بنا إلى التنبيه على أن الحياة في الجماعة لا قيام لها إلا بـ "التعاون" بين أعضائها، وأن هذا التعاون إنما يتم "بقانون" ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته، وأن هذا القانون لا غنى له عن "سلطان" نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس ويمنع انتهاك حرماته.

    تلك كلها مبادئ مقررة، والحديث فيها معاد مملول.

    وإنما الشأن كل الشأن في هذا السلطان النازع الوازع: ما هو؟

    فالذي نريد أن نثبته في هذه الحلقة من البحث هو أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام القانون، وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.

    السر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا عنقه، ولا يجري في دمه، لا يسري في عضلاته وأعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني، اسمه الفكرة والعقيدة، فالإنسان أبدا أسير هذه الفكرة والعقيدة.

    ولقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية، بل يتأثران بها، هذا الرأي الماركسي هو قبل كل شيء نزول بالإنسان عن عرش كرامته، ورجوع به القهقرى إلى مستوى البهيمية، ثم هو تصوير مقلوب للحقائق الثابتة المشاهدة في سلوك الأفراد والجماعات في كل عصر؛ فلكي يختار الناس أن يحيوا حياة مادية لا نصيب فيها للقلب ولا للروح، لا بد أن يقنعوا أنفسهم بادئ ذي بدء بأن سعادتهم هي في هذا النوع من الحياة. فالإنسان مقود أبدا بفكرة: صحيحة أو فاسدة، فإذا صلحت عقيدته صلح فيه كل شيء؟ وإن فسدت فسد كل شيء.

    أجل إن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق، وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإذا الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة المالية، لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى سيفلت من طائلة القانون.

    ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضمانا للسلام والرخاء، وعوضا عن التربية والتهذيب الديني والخلقي؟ ذلك أن العلم سلاح ذو حدين: يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولا بد في حسن استخدامه من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض، لا إلى نشر الشر والفساد.

    ذلكم الرقيب هو العقيدة والإيمان.

    كلام الإمام محمد عبده:


    وقد بين الأستاذ الإمام محمد عبده في كتابه الفريد "رسالة التوحيد" وجوه حاجة البشر إلى النبوة والرسالة الإلهية، وأنها للنوع الإنساني بمثابة العقل للفرد الإنساني، وأن البشر لا يستغنون عن هداية الله لهم بحال، لهذا أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير)، ولقد أكد هذا في تفسيره لسورة الفاتحة وبيان حاجة الناس إلى هدى الله سبحانه عند آية: (اهدنا الصراط المستقيم) كما نقله صاحب المنار رحمهما الله جميعا.

    وعاد إلى ذلك في تفسير قوله تعالى من سورة النساء عقب بيان أحكام المواريث: (تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها…) فقال رحمه الله:

    "طاعة الرسول هي طاعة الله بعينها لأنه إنما يأمرنا بما يوحيه إليه الله من مصالحا التي فيها سعادتنا في الدنيا والآخرة، وإنما يذكر طاعة الرسول مع طاعة الله لأن من الناس من كانوا يعتقدون قبل اليهودية وبعدها، وكذلك بعد الإسلام إلى اليوم: أن الإنسان يمكن أن يتغنى بعقله وعلمه عن الوحي، يقول أحدهم: إنني أعتقد أن للعالم صانعا عليما حكيما، وأعمل بعد ذلك بما يصل إليه عقلي من الخير واجتناب الشر. وهذا خطأ من الإنسان، ولو صح ذلك لما كان في حاجة إلى الرسل، وقد تقدم في تفسير سورة الفاتحة: أن الإنسان محتاج بطبيعته النوعية إلى هداية الدين، وأنها هي الهداية الرابعة التي وهبها الله للإنسان بعد هداية الحواس والوجدان والعقل، فلم يكن العقل في عصر من عصوره كافيا لهداية أمة من أممه ومرقيا له بدون معونة الدين.

    اعتراض من الملحدين وجوابه:


    وقد عقب العلامة السيد رشيد رضا في تفسير المنار على كلام الشيخ عبده بإيراد اعتراض من المرتابين والملاحدة وأجاب عنه إجابة مطولة، فقال رحمه الله:

    "يرد على هذا من جانب المرتابين والملاحدة: إننا نرى كثيرا من أفراد الناس لا يدينون بدين، وهم في درجة عالية من الأفكار والآداب، وحسن الأعمال التي تنفعهم وتنفع الناس، حتى أن العاقل المجرد عن التعصب الديني يتمنى لو كان الناس كلهم مثله، بل يسعى كثير من الفلاسفة لجعل الأمم مثل هؤلاء الأفراد في آدابهم وارتقائهم".

    وأجيب عن هذا (أولا): بأن الكلام في هداية الجماعات من البشر، كالشعوب والقبائل والأمم الذين يتحقق بارتقائهم معنى الإنسانية في الحياة الاجتماعية، سواء كانت بل بدوية أو مدنية، وقد علمنا التاريخ أنه لم تقم مدنية في الأرض من المدنيات التي وعاها وعرفها إلا على أساس الدين، حتى مدنيات الأمم الوثنية كقدماء المصريين والكلدانيين واليونانيين، وعلمنا القرآن أنه ما من أمة إلا وقد خلا فيها نذير مرسل من الله عز وجل لهدايتها.

    فنحن بهذا نرى أن تلك الديانات الوثنية كان لها أصل إلهي، ثم سرت الوثنية إلى أهلها حتى غلبت على أصلها، كما سرت إلى من بعدهم من أهل الديانات، التي بقي أصلها كله أو بعضه على سبيل القطع، أو على سبيل الظن. وليس للبشر ديانة يحفظ التاريخ أصلها حفظا تاما إلا الديانة الإسلامية، وهو مع ذلك قد دون في أسفاره كيفية سريان الوثنية الجلية أو الخفية إلى كثير من المنتسبين إليها كالنصيرية، وسائر الباطنية وغيرهم، ممن غلب عليهم التأويل أو الجهل، حتى إنه يوجد في هذا العصر من المنتمين إلى الإسلام من لا يعرفون من أحكامه الظاهرة غير قليل مما يخالفون به جيرانهم، كجواز أكل لحم البقر في الأطراف الشاسعة من الهند! وكيفية الزواج ودفن الموتى في بعض بلاد روسيا وغيرها!! فمن علم هذا لا يستبعد تحول الديانات الإلهية القديمة إلى الوثنية.

    فاتباع الرسل وهداية الدين أساس كل مدنية، لأن الارتقاء المعنوي هو الذي يبعث على الارتقاء المادي. وها نحن أولاء نقرأ من كلام شيخ الفلاسفة الاجتماعيين في هذا العصر "هربرت سبنسر" أن آداب الأمم وفضائلها التي هي قوام مدنيتها مستندة كلها إلى الدين، وقائمة على أساسه، وإن بعض العلماء يحاولون تحويلها عن أساس الدين وباءها على أساس العلم والعقل، وأن الأمم إلى يجرى فيها هذا التحويل، لا بد أن تقع في طور التحويل في فوضى أدبية، لا تعرف عاتبها ولا يحدد ضررها. هذا معنى كلامه في بعض كتبه. وقد قال هو للأستاذ الإمام في حديث له معه: إن الفضيلة قد اعتلت في الأمة الإنجليزية في هذه السنين الأخيرة، من حيث قوى فيها الطمع المادي.

    ونحن نعلم أن الأمة الإنجليزية من أشد أمم أوروبا تمسكا بالدين، مع كون مدنيتها أثبت، وتقدمها أعم، لأن الدين قوام المدنية بما فيه من روح الفضائل والآداب، على أن المدنية الأوروبية بعيدة عن روح الديانة المسيحية، وهو الزهد في المال والسلطان وزينة الدنيا، فلولا غلبة بعض آداب الإنجيل على تلك الأمم لأسرفوا في مدنيتهم المادية إسرافا غير مقترن بشيء من البر وعمل الخير، وإذا لبادت مدنيتهم سريعا. ومن يقل: إنه سيكون أبعدها عن الدين أقربها إلى السقوط والهلاك لا يكون مفتاتا في الحكم، ولا بعيدا عن قواعد علم الاجتماع فيه.

    فحاصل هذا الجواب الأول عن ذلك الإيراد: أن وجود أفراد من الفضلاء غير المتدينين لا ينقض ما قاله الأستاذ الإمام من كون الدين هو الهداية الرابعة لنوع الإنسان التي تسوقه إلى كماله المدني في الدنيا، كما تسرقه إلى سعادة الآخرة.

    وثانيا: إنه لا يمكن الجزم بأن فلانا الملحد الذي تراه عالي الأفكار والآداب قد نشأ على الإلحاد وتربى عليه من صغره، حتى يقال: إنه قد استغنى في ذلك عن الدين، لأننا لا نعرف أمة من الأمم تربي أولادها على الإلحاد، وإننا نعرف بعض هؤلاء الملحدين الذين يعدون في مقدمة المرتقين بين قومهم، ونعلم أنهم كانوا في نشأتهم الأولى من أشد الناس تدينا واتباعا لآداب دينهم وفضائله، ثم طرأ عليهم الإلحاد في الكبر، بعد الخوض في الفلسفة التي تناقض بعض أصول ذلك الدين الذي نشأوا عليه، والفلسفة قد تغير بعض عقائد الإنسان، وآرائه، ولكن لا يوجد فيها ما يقبح له الفضائل والآداب الدينية، أو يذهب بملكاته وأخلاقه الراسخة كلها، وإنما يسطو الإلحاد على بعض آداب الدين كالقناعة بالمال الحلال، فيزين لصاحبه أن يستكثر من المال ولو من الحرام، كأكل حقوق الناس والقمار بشرط أن يتقي ما يجعله حقيرا بين من يعيش معهم، أو يلقيه في السجن، وكالعفة في الشهوات، فيبيح له وآدابه، وأما غير الراقين منهم فهم الذين لا يصدهم عن الفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل إلا القوة القاهرة.

    ولولا أن دول أوروبا قد نظمت فرق المحافظين على الحقوق من الشحنة والشرطة (البوليس والضابطة) أتم تنظيم، وجعلت الجيوش المنظمة عونا لهم عند الحاجة، لما حفظ لأحد عندها عرض ولا مال، ولعمت بلادها الفوضى والاختلال، ولقد كانت الحقوق والأعراض محفوظة في الأمم من غير وجود هذه القوى المنظمة أيام كان الدين مرعيا في الآداب والأحكام فتبين بهذا أن طاعة الله ورسله لا بد منها لسعادة الدنيا".

    شهادة التاريخ والواقع:


    إن تجارب التاريخ وتجارب الواقع كلها تنطق بأصالة الإيمان في الحياة، وضرورته للإنسان، فهو ضرورة للفرد ليطمئن ويسعد ويزكو، وهو ضرورة للمجتمع ليستقر ويتماسك ويرقى.

    يقول الأستاذ العقاد: "إن تجارب التاريخ تقرر لنا أصالة الدين في جميع حركات التاريخ الكبرى، ولا تسمح لأحد أن يزعم أن العقيدة الدينية شيء تستطيع الجماعة أن تلغيه، ويستطيع الرد أن يستغني عنه، في علاقته بتلك الجماعة، أو فيما بينه وبين سريرته المطوية من حوله، ولو كانوا من أقرب الناس إليه".

    "ويكرر لنا التاريخ أنه لم يكن قط لعامل من عوامل الحركات الإنسانية أثر أقوى وأعظم من عامل الدين، وكل ما عداه من العوامل الأخرى في حركات الأمم، فإنها تتفاوت فيه القوة بمقدار ما بينه وبين العقيدة الدينية من المشابهة في التمكن من أصالة الشعور وبواطن السريرة.

    "هذه القوة لا تضارعها قوة العصبية ولا قوة الوطنية ولا قوة العرف، ولا قوة الأخلاق، ولا قوة الشرائع والقوانين، إذ كانت هذه القوة إنما ترتبط بالعلاقة بين المرء ووطنه، أو العلاقة بينه وبين مجتمعه، أو العلاقة بينه وبين نوعه، على تعدد الأوطان والأقوام.

    "أما الدين فمرجعه إلى العلاقة بين المرء وبين الوجود بأسره، وميدانه يتسع لكل ما في الوجود من ظاهر وباطن، ومن علانية وسر، ومن ماض أو مصير، إلى غير نهاية، بين آزال لا تحصى في القدم، وآباد لا تحصى فيما ينكشف عنه عالم الغيوب. وهذا على الأقل هو ميدان العقيدة الدينية في مثلها الأعلى، وغاياتها القصوى، وإن لم تستوعبها ضمائر المتدينين في جميع العصور.

    "ومن أدلة الواقع على أصالة الدين: أنك تلمس هذه الأصالة عند المقابلة بين الجماعة المتدينة، والجماعة التي لا دين لها، أو لا تعتصم من الدين بركن مكين.

    "وكذلك تلمس هذه الأصالة عند المقابلة بين فرد يؤمن بعقيدة من العقائد الشاملة، وفرد معطل الضمير، مضطرب الشعور، يمضى في الحياة بغير محور يلوذ به، وبغير رجاء يسمو إليه.

    "لهذا.. الفارق بين الجماعتين، وبين الفردين، كالفارق بين شجرة راسخة في منبتها وشجرة مجتثة من أصولها!

    "وقل أن ترى إنسانا معطل الضمير، على شيء من القوة والعظمة، إلا أمكنك أن تتخيله أقوى من ذلك وأعظم، إذا حلت العقيدة في وجدانه محل التعطل والحيرة


    لا بديل عن الدين


    ومن الناس من يتصور إمكان الاستغناء عن الدين بالعلم الحديث حينا، أو المذاهب الفكرية "الأيديولوجيات" الحديثة حينا آخر.

    وكلا التصورين خطأ.

    فقد بين الواقع الناطق أنه لا شيء يغني عن الدين، ويقوم بديلا عنه في أداء رسالته الضخمة في حياة الإنسان.

    العلم ليس بديلا عن الدين:


    أما العلم فليس بديلا عن الدين والإيمان بحال. فإن مجال العلم غير مجال الدين. وأريد بـ "العلم" هنا العلم بمفهومه الغربي المحدود، لا بمفهومه الإسلامي الشامل ـ الذي يشمل العلم بالظواهر الجزئية للكون، والعلم بحقائق الوجود الكبرى ـ أي ما يشمل علم الدنيا، وعلم الدين. فليس هو علم المادة وخواصها فحسب، بل العلم المتعلق بالكون والحياة والإنسان، وخالقها سبحانه.

    العلم بالمفهوم الغربي لا يصلح بديلا عن الدين، لأن مهمة هذا العلم أن ييسر للإنسان أسباب الحياة، لا أن يفسر له ألغازها. العلم يعين الإنسان على حل مشكلة العيش، ولكنه لا يعينه على حل مشكلة الوجود وقضاياه الكبرى.

    ولهذا نرى أعظم البلاد في عصرنا تقدما في العلم، وأخذا بأسبابه، يشكو أهلها من الفراغ الروحي، والقلق النفسي، والاضطراب الفكري، والشعور الدائم بالتفاهة والاكتئاب والضياع. ونرى شبابها ينقلبون بين شتى البدع الفكرية والسلوكية، ثائرين على آلية الحياة، ومادية الحضارة، وإن لم يهتدوا إلى المنهج السليم، والصراط المستقيم.

    وهذا هو سر العوج والشذوذ والانحرافات، التي لمسها العالم كله في سلوك أولئك الشباب الحائرين، الذين يسمونهم "الخنافس" أو "الهيبيين" وأشباههم ممن ضاق ذرعهم بتفاهة العيش، وتمردوا على حضارة الغرب وإن نشأوا بين أحضانها.

    إن العلم الحديث محدود الوسع، محدود القدرة، محدود المجال.

    في وسع العلم أن يمنح الإنسان الوسائل والآلات، ولكن ليس في وسعه ولا من اختصاصه أن يمنحه الأهداف والغايات، وما أتعس الإنسان إذا تكدست لديه الوسائل دون أن يعرف لنفسه هدفا ولا لحياته قيمة، إلا أهداف السباع في العدوان، أو أهداف البهائم في الأكل والسفاد. أما هدف رفيع يليق بمواهب الإنسان، وخصائص الإنسان، وكرامة الإنسان، فلا.

    إن الدين وحده هو الذي يمنح الإنسان أهدافا عليا للحياة وغايات كبرى للوجود، ويجعل له فيه مهمة ورسالة، ولحياته قيمة واعتبارا، كما يمنحه القيم الخلقية والمثل العليا التي تحبسه عن الشر، وتحفزه على الخير، لغير منفعة مادية عاجلة.

    لقد قوى العلم الجانب المادي في الإنسان إلى أبعد حد، ولكنه أضعف الجانب الروحي فيه إلى أدنى مستوى.

    فقد أعطى العلم الإنسان جناحي طائر فحلق في الفضاء، وأعطاه خياشيم حوت فغاص في أعماق الماء، ولكنه لم يعطه قلب إنسان!

    وحين يعيش الإنسان في الحياة بغير "قلب الإنسان" تستحيل أدوات العلم في يديه إلى مخالب وأنياب تقتل وترهب، وإلى معاول وألغام تنسف وتدمر.

    تستحيل أدوات العلم إلى أسلحة ذرية، وقنابل نابالم، وغازات سامة، وأسلحة كيماوية، وجرثومية تنشر الموت والخراب عند استعمالها، وتشيع الذعر والخوف قبل استعمالها.

    أجل قد استطاع العلم أن يضع قدم الإنسان على سطح القمر، ولكنه لم يملك أن يضع يده على سر وجوده وغاية حياته!

    لقد اكتشف الإنسان بالعلم، "أشياء" كثيرة، ولكنه لم يكتشف حقيقة نفسه! أوصله علم القرن العشرين إلى القمر. ولكن لم يوصله إلى السعادة والطمأنينة على ظهر الأرض! جلب من هناك بعض الصخور والأتربة، ولكنه لم يجد هناك ما يخرجه من التعاسة والقلق والضياع في كوكبه!

    أصلح العلم ظاهر الإنسان، وعجز عن إصلاح باطنه، لم يستطع أن ينفذ إلى تلك "اللطيفة الربانية" المدركة الواعية، الشاعرة الحساسة، التي إذا صلحت صلح الإنسان كله، وإذا فسدت فسد الإنسان كله، ألا وهي القلب، أو النفس، أو الروح، سمها ما شئت، فهي حقيقة الإنسان!

    أعطى العلم إنسان القرن العشرين سلاحا انتصر به على بعض قوى الطبيعة، ولم يعطه ما ينتصر به على نفسه: على شهواته، وشكه، وقلقه، وخوفه، وتخبطه، وصراعه الداخلي والاجتماعي.

    لقد تقدم الطب الحديث والجراحة إلى أقصى حدودهما في هذا القرن، وبدأ الأطباء يقولون: إن العلم يستطيع القضاء على كل مرض غير الموت والشيخوخة!! ولكن الأمراض تكثر وتتشعب وتنتشر بسرعة مذهلة، ومنها "الأمراض العصبية" و"النفسية" التي هي نتائج وأعراض "التناقض" الشديد الذي يمر به الفرد والمجتمع. وسر ذلك أن العلم المادي ـ على سعته واكتشافاته ـ لم يعرف حقيقة الإنسان، الذي عرف المادة وقوانينها، ولكنه لم يعرف نفسه، ولا غرو أن كتب أحد أقطاب العلم "ألكسيس كاريل" في كتابه الشهير: "الإنسان ذلك المجهول".

    ومن هنا حاول العلم الحديث أن يغذي كل الجوانب المادية في الجوانب المادية في الجسم الإنساني، ولكنه فشل في تغذية النفس الإنسانية مما فيها من شعور وأماني وإرادة . . . وكانت حصيلة ذلك جسما طويل القامة، قوي العضلات، ولكن الجانب الآخر ـ وهو أصل الإنسان ـ أصبح يعانى من أزمات لا حل لها.

    لقد أكدت إحصائية: أن ثمانين في المائة (80%) من مرضى المدن الأمريكية الكبرى يعانون أمراضا ناتجة عن أزمات نفسية وعصبية من ناحية أو أخرى.

    ويقول علم النفس الحديث: إن من أهم جذور هذه الأمراض النفسية: الكراهية والحقد والخوف والإرهاق واليأس والترقب والشك والآثرة والانزعاج من البيئة، وكل هذه الأعراض تتعلق مباشرة بالحياة المحرومة من الإيمان بالله.

    الفلسفة ليست بديلا عن الدين:


    لقد تبين لنا أن إنسان العلم الحديث هو "ذلك المجهول" الذي لم يستطع العلم أن يسبر غوره، وأن يتعرف على حقيقته، وأن ينفذ إلى أعماقه، كما بين ذلك "ألكسيس كاريل" و "رينيه دوبو"، وغيرهما. لقد عرف العلم الجمادات أو المادة، وحللها واكتشف قوانينها، ولكنه عجز عن معرفة الإنسان، لأن الإنسان من التركيب والتعقيد بحيث لا يعرفه إلا من خلقه فسواه: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).

    ومادام العلم يجهل الإنسان، فلا يؤمل منه أن يحسن توجيهه وتربيته والتشريع له، بل بدا اليوم أن العلم ـ بعبارة أدق: تطبيقاته التكنولوجية ـ أصبح خطرا على فطرة الإنسان، وبيئة الإنسان.

    و"إنسان الفلسفة" ليس أحسن حظا من إنسان العلم، والفلسفة رغم اهتمامها بالإنسان ـ منذ أنزلها "سقراط" من السماء إلى الأرض ووجه العقل الإنساني إلى محاولة اكتشاف ذاته: اعرف نفسك ـ لم تتفق على رأي في نظرتها إلى الإنسان: أهو روح أم مادة؟ جسم يفنى أم روح يبقى؟ عقل أم شهوة؟ ملاك أم شيطان؟ الأصل فيه الخير أم الشر؟ أهو إنسان كما نراه، أم ذئب مقنع؟ أو أناني أم غيري؟ أهو فردي أم جماعي؟ أهو ثابت أم متطور؟ أتجدي فيه التربية أم لا تجدي؟ أهو مختار أم مجبور؟

    اختلفت الفلسفات في الإجابة عن هذه التساؤلات وتناقضت، فلا تستطيع أن تخرج منها بطائل، حتى قال شيخنا الدكتور عبد الحليم محمود ـ وهو أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين ـ قبل أن يكون شيخا للأزهر: "الفلسفة لا رأي لها، لأنها تقول الرأي وضده، والفكرة ونقيضها".

    هنا نجد الفلسفة الإلهية مناقضة للفلسفة المادية، والفلسفة المثالية مناقضة للفلسفة الواقعية، وفلسفة الواجب معارضة لفلسفة المنفعة أو اللذة، إلى آخر ما نعرفه من تناقضات في الساحة الفلسفية، فهذا يثبت، وذاك ينفي، وهذا يبني، وذاك يهدم.

    ومن هنا لا تستطيع الفلسفة وحدها أن تهدى الإنسان سبيلا أو تشفي له غليلا، أو تمنحه منهجا يركن له ويطمئن إليه، ويقيم حياته على أساسه.

    وأبعد الفلسفات عن هداية الإنسان وإسعاده هي الفلسفات المادية، التي تنكر أن للكون إلها، وأن للإنسان روحا، وأن وراء الدنيا آخرة. وعلى رأس هذه الفلسفات: الفلسفة الماركسية القائمة على المادة الجدلية، والتي تتبنى مقولة بعض الفلاسفة الماديين: ليس صوابا أن الله خلق الإنسان، بل الصواب أن الإنسان هو الذي خلق الله !!

    ومثل ذلك: الفلسفات العبثية والعدمية والشكية، فكلها فلسفات تهدم ولا تبني. وتميت ولا تحيى.

    ويبين شيخنا الدكتور دراز الفرق بين: الفلسفة والدين، فيرى أن الفلسفة فكرة هادئة باردة، أما الدين فهو قوة دافعة، فعالة، خلاقة، لا يقف فيسبيلها شيء في الكون إلا استهانت به أو تبلغ هدفها.

    ذلك هو فصل ما بين الفلسفة والدين، غاية الفلسفة المعرفة، وغاية الدين الإيمان، مطلب الفلسفة فكرة جافة، ترتسم في صورة جامدة، ومطلب الدين روح وثابة، وقوة محركة.

    لا نقول كما يقول كثير من الناس: إن الفلسفة تخاطب العقول، وإن الدين في كل أوضاعه لا يقنع بعمل العقل قليلا أو كثيرا حتى يضم إليه ركون القلب.

    الفلسفة تعمل إذا في جانب من جوانب النفس، والدين يستحوذ عليها في جملها. ومن هنا يستنبط فرق دقيق بين الفلسفة والدين:

    ذلك أن غاية الفلسفة نظرية، حتى في قسمها العملي، وغاية الدين عملية، حتى في جانبه العلمي، فأقصى مطالب الفلسفة أن تعرفنا الحق والخير ما هما؟ وأين هما؟ ولا يعنيها بعد ذلك موقفنا من الحق الذي تعرفه، والخير الذي تحدده. أما الدين فيعرفنا الحق لا لنعرفه فحسب، بل لنؤمن به ونحبه ونمجده، ويعرفنا الواجب لنؤديه ونوفيه، ونكمل نفوسنا بتحقيقه.

    ثم يبين شيخنا أن الدين حركة شعبية (ديمقراطية) عامة، والفلسفة حركة (أرستقراطية) خاصة. فالدين يسعى بطبيعته إلى الانتشار، والفلسفة تجنح إلى العزلة، داعية الدين وسط الجماهير، ورجل الفلسفة في برجه العاجي، فإذا رأيت فيلسوف يدعو إلى مذهبه فقد تغير وضعه، وتحولت فكرته إلى إيمان، وإذا رأيت مؤمنا لا يهتم إلا بنفسه فقد استحالت نار إيمانه إلى رماد


    تفنيذ مقولة (الدين أفيون الشعب)


    أما دعوى الماركسيين: أن الدين (أفيون الشعوب) يفعل في عقولها ما تفعله المخدرات بالأفراد، ويشغلهم عن حقوقهم المسلوبة، بأماني الآخرة، ويخضعهم لإرادة الظلمة والطغاة، فيطيعونهم وهم راضون ـ فهي دعوى مردودة ـ .

    ذلك أن الدين الصحيح لا يخدر الشعب، ولا يلهيه عن المطالبة بحقه في الدنيا، استغراقا بطلب النعيم في الآخرة! الدين الصحيح لا يقر الظلم، ولا يرضى بالفساد والانحراف، فإن صح هذا الادعاء في شأن بعض الأديان، فلا يصح بحال في شأن الإسلام.

    الإسلام في الحقيقة ثورة إنسانية كبرى، ثورة لتحرير الإنسان ـ كل إنسان ـ من العبودية والخضوع لغير خالقه. ثورة في عالم الفكر والضمير والشعور، وثورة في عالم الواقع والتطبيق.

    وكان عنوان هذه الثورة هي هذه الكلمة العظيمة، كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" فكل مدع أو متعاط للألوهية في الأرض، بالقول أو بالفعل، هو مزور لا وجود له، ولا يستحق البقاء. وكل الذين زعموا لأنفسهم ـ أو زعم لهم بعض الناس ـ أنهم أرباب مع الله، أو من دون الله، يجب أن يسقطوا إلى الأبد، ويتواروا عن مسرح الحياة.

    الناس إذن سواسية، لا يجوز أن يتعبد بعضهم بعضا، أو يطغى بعضهم على بعض، فإذا ظلم بعض الناس وطغى وأفسد، كان على الناس أن يعترضوا طريقه، ويأخذوا على يديه، وإلا كانوا شركاءه في الإثم واستحقاق العقوبة العادلة من الله .

    يقول القرآن الكريم: (ولا تركنوا إلى الدين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون).

    ويقول: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب).

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده".

    ويوجب على كل من رأى منكرا ـ أي ظلما أو فسادا أو انحرافا ـ أن يعمل على تغييره بكل ما يستطع من قوة: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإذ لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".

    والتغيير بالقلب ـ الذي هو أدنى الدرجات وأضعف الإيمان ـ ليس أمرا سلبيا تافها. إنها جمرة الغضب والكراهية للفساد والمنكر تتوهج وتتقد في الجوانح حتى تجد الفرصة للتغيير بالقول أو الفعل، باللسان أو اليد، وأدنى ثمراته العاجلة النفور من الظلمة والمفسدين والمقاطعة لهم، فلا يؤاكلهم ولا يشاربهم، ولا يجالسهم ولا يصاحبهم.

    وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم مقاومة الظلم والفساد الداخلي، كمقاومة الغزو والعدوان الخارجي، كلاهما جهاد في سبيل الله، بل حين سئل: أي الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حق عند سلطان جائر". فاعتبر ذلك أفضل الجهاد وأعلاه.

    فهذا دين يحرض على مقاومة الظلم حتى الموت، ويعد الميت في سبيل ذلك شهيدا في سبيل الله، بل في طليعة الشهداء المرموقين، بجوار حمزة بن عبد المطلب، سيد الشهداء، كما قال عليه الصلاة والسلام:

    "سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله".

    إن الإسلام يربي المسلم على الشعور بالكرامة وعزة النفس، ويجعل ذلك من خصائص الإيمان وآثاره: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)، بل من خصائص الإنسانية ولوازمها: (ولقد كرمنا بني آدم).

    ولهذا يبرأ الإسلام من كل من يرضى لنفسه بالذل والمهانة، ويصبر على القيد يوضع في رجله، أو الغل يوضع في عنقه دون أن يقاوم الظلم، أو يحاول التخلص منه، ولو بالهجرة إلى أرض الله الفسيحة. يقول القرآن:

    (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم، وساءت مصيرا).

    و يرد الرسول صلى الله عليه وسلم منطق الإسلام الجبري أو السلبي لأحداث الحياة ووقائع الدهر، باسم الإيمان بالقدر. ويعتبر ذلك ضربا من العجز المذموم في دين الله. إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله، ونعم الوكيل".

    [/right:7


    Last edited by Mohamed Selim on Mon May 10, 2010 9:49 am; edited 4 times in total
    avatar
    Mohamed Selim
    Admin

    Posts : 106
    Join date : 2010-04-25
    Age : 30
    Location : Egypt

    Re: مدخل لمعرفة الإسلام - مقوماته.. خصائصه.. أهدافه.. مصادره

    Post by Mohamed Selim on Mon May 10, 2010 9:43 am

    تكملة الجزء الأول


    كره النبي صلى الله عليه وسلم من الرجل أن يواري عجزه بالحسبلة والحوقلة، بدل أن يواجه الأمر بما ينبغي له من الحكمة والتفطن. فذكر الله في غير موضعه عجز واستسلام.

    ومن هنا جاء في وصاياه صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف… احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز.

    وجاء في أدعيته التي علمها لبعض أصحابه: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال".

    ففي هذا الدعاء استعاذة بالله تعالى من كل مظاهر الضعف التي تعتري الإنسان فتغلبه وتقهره وتذله.

    ومثل ذلك ما جاء في دعاء القنوت الذي يرويه ابن مسعود، ويقرؤه الأحناف في صلاة الوتر كل ليلة: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك".. فانظر ما تحمله هذه العبارة : "ونخلع ونترك من يفجرك" من تحريض سافر على خلع ومقاومة كل ظالم فاجر، مهما تكن مكانته ومنصبه في الناس.

    فهل يقال في مثل هذا الدين الذي يدعو إلى الثورة على الباطل والضعف والعجز والعبودية، ويحرض على نصرة الحق والقوة والحرية ـ إنه أفيون الشعب: يخدره ويمنيه بنعيم الجنة، ليسكت على مظالم حياته الدنيا؟!!

    لعل "ماركس" كان معذورا حين قال ما قال، لأنه لم يعرف الإسلام، ولم يعرف موقفه من الظلم والبغي والفساد، مع أن المنهج العلمي كان يلزمه ألا يصدر حكمه عاما شاملا إلا بعد استقراء كامل، ودراسة تامة لكل الأديان ـ أو للأديان الكبرى على الأقل ـ وأثرها في الأمم على مدار التاريخ، فإن لم يستطع كان عليه أن يحكم على الدين الذي عرفه لا على غيره. هذا هو مقتضى الأمانة العلمية، والمنهج العلمي
    avatar
    Mohamed Selim
    Admin

    Posts : 106
    Join date : 2010-04-25
    Age : 30
    Location : Egypt

    Re: مدخل لمعرفة الإسلام - مقوماته.. خصائصه.. أهدافه.. مصادره

    Post by Mohamed Selim on Wed May 12, 2010 10:55 am

    .



    لكى لا نطيل عليكم فى المنتدى
    هذا هو الكتاب كاملاً لمن يريد الإطلاع عليه و الأستفادة منه على أكمل وجه


    [You must be registered and logged in to see this link.]


    أسألكم الدعاء


    .

      Current date/time is Fri Dec 15, 2017 8:40 am